حبيب الله الهاشمي الخوئي

144

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وأمّا أهل الأرض فهم عند أكثرهم مجهولون لاستيلاء الضّلال على أكثر السّتر « البشرظ » وغلبة الجهال يعني أنّ أكثر الناس لا يعرفونهم ولا يعرفون قدرهم ومنزلتهم ، فلا ينافي معرفة الخواص لهم وإن كانوا أيضا لا يعرفونهم حقّ معرفتهم ، أو أراد به جهالة أسمائهم في وقت ايراد الكلام والتخصيص فيه أقلّ من الاحتمال الأوّل كما لا يخفى . ثمّ خاطب عليه السّلام أصحابه بذكر الملاحم والفتن الحادثة في مستقبل الزّمان فقال ( ألا فتوقّعوا من إدبار أموركم وانقطاع وصلكم واستعمال صغاركم ) أي تفرّق أموركم المنتظمة وانقطاع الاتصالات والانتظامات الحاصلة في أمر المعاش والمعاد من أجل تشتّت الآراء واختلاف الأهواء وتفرّق الكلمات ، وتقديم الصّغار سنّا على المشايخ وأرباب التجارب في الأعمال والولايات ، أو تقديم الأوغاد والأراذل والصّغار قدرا على الأشراف والأكابر وذوى البيوتات ، فانّ استعمال هؤلاء وتوليتهم موجب لفساد النظام واختلال الانتظام . وقد قيل لحكيم : ما بال انقراض دولة آل ساسان قال : لأنهم استعملوا أصاغر العمال على أعاظم الأعمال فلم يخرجوا من عهدتها ، واستعملوا أعاظم العمال على أصاغر الأعمال فلم يعتنوا عليها ، فعاد وفاقهم إلى الشتات ونظامهم إلى البتات . ولذلك كتب عليه السّلام للأشتر في عهده إليه حين استعمله على مصر حسبما يأتي من باب المختار من كتبه عليه السّلام إنشاء اللَّه تعالى : ثمّ انظر في أمور عمالك وتوخّ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الاسلام المتقدّمة فإنهم أكرم أخلاقا وأصحّ أغراضا وأقلّ في المطامع اشرافا وأبلغ في عواقب الأمور نظرا - إلى آخر ما يأتي في مقامه بتوفيق اللَّه وعنايته . ( ذاك حيث تكون ضربة السيف على المؤمن أهون من الدّرهم من حلَّه ) أي ذلك المذكور من انقطاع الوصل وادبار الأمور حيثما يكون احتمال ضربة السيف على المؤمن أقلّ مشقّة من احتمال مشقة اكتساب الدّرهم الحلال لأجل اختلاط المكاسب